ابن يعقوب المغربي

492

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

( فإن الرحمة ) إنما تقابلها الفظاظة ، والشدة إنما يقابلها اللين ، لكن الرحمة ( مسببة عن اللين ) إذ اللين في الإنسان كيفية قلبية تقتضي الانعطاف لمستحقه ، وذلك الانعطاف هو الرحمة ، فهي مسببة عن الكيفية التي هي اللين ، وأصل الشدة واللين في المحسوسات ، فالشدة فيها الصلابة ، واللين ضدها وهي صفة تقتضي صحة الانغماز إلى الباطن ، فقد قوبل في الآية بين معنيين هما الشدة والرحمة أحدهما وهو الرحمة له تعلق بمقابل الشدة وهو اللين ، والتعلق بينهما كون الرحمة مسببة عن اللين ، ولو قيل : إن الشدة لها تعلق بمقابل الرحمة وهي الفظاظة وعدم الانعطاف لصح أيضا ؛ لأن عدم الانعطاف لازم للشدة التي هي كيفية قلبية توجب عدم الانعطاف لمستحقه ، ومن هذا القسم قوله تعالى وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ " 1 " لأن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المقابلة للسكون وكذا قوله تعالى أغرقوا فأدخلوا نارا لأن إدخال النار يستلزم الإحراق المقابل للإغراق لاستلزام أحدهما توقد النار والآخر إطفاءها ، وقد تقدم فيه وجه آخر من المقابلة وهذا الملحق يدخل في التفسير السابق للطباق ضرورة وجود مطلق التنافي في طرفيه ، وعلى تقدير دفع ذلك عن كلام المصنف ، فحمله على أن المراد بالمقابلة في الجملة أن تكون بأحد الأوجه الأربعة فقط يفيد دلالة كل على معنى يقابل الآخر بنفسه من غير تعيين واحد منهما ، فلا يندفع عن كلام الشارح لإدخاله في الجملة ما يكون بأي اعتبار فيدخل هذا القسم قطعا كما أشرنا إليه فيما تقدم فافهم . ( و ) الثاني : أن يجمع بين معنيين غير متقابلين ولا يستلزم ما أريد بأحدهما ما يقابل الآخر ، ولكن عبر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان ( نحو قوله : لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه فبكى " 2 " أي : فبكى ذلك الرجل من مفارقة ألوان لذات الشبيبة ، وتذكر عوارض الشيب وسلم منادى مرخم وبعد هذا البيت :

--> ( 1 ) القصص : 73 . ( 2 ) البيت لدعبل الخزاعي الرافضي .